هشام جعيط

64

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الكوفة « 1 » ، ولا شك أن المبلغ المذكور استخدم أيضا لسد نفقات الإدارة والأشغال العامة . وأخيرا تغذى بيت المال المركزي بمداخيل العراق أساسا ، وأعاد توزيع جانب من المال على المستحقين من النخبة الإسلامية المدنية والمسجلين بالديوان ، بداية من سنة 20 ه . وبذلك ندرك الدلالات المتعددة التي تضمنها اختيار عمر . لم يتعلق الأمر فقط بحماية زراعة مزدهرة من خلال المحافظة على هياكلها البشرية والجبائية ، ولا بتجنب غليان الأطماع وتراتب الناس حسب ثرواتهم ، بصورة لا تتيح المراقبة ، بل أضيفت إلى ذلك فكرة مفادها أن الخيار العسكري العربي أمر دائم يوجب تحرير العرب من الهمّ الاقتصادي ، والاستعاضة عن الاتجاهات الإقليمية التي يحتمل أن تنشأ عن الاستقرار الزراعي ، بمبدأ وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها أيضا . وتجسم الدولة هذا التضامن وتقوم مقام الوصي والمتصرف والمنظم والوسيط والموزع . فأسست هكذا تراتبيتها التوزيعية التي احتلت فيها النخبة الإسلامية بالمدينة مقام القمّة . وبذلك فإن فيء العراق لا يوزع على الرجال الذي افتتحوه عنوة فحسب ، فقد أصبح المهاجرون والأنصار يستحقونه « 2 » ، وكل الذين وفدوا على العراق ، من العرب البدو أو الروادف « 3 » ، وطبعا الأجيال القادمة . وبذلك تكون الطريقة التي سنها عمر قد تميزت بتجاوز حدث الفتح البحت ، والتوسيع تدريجيا لحلبة المساهمة ودعم سلطة الدولة التنظيمية . على أن الأمر يتعلق بتحويل فعلي لمكاسب العراقيين بصورة من الصور ، يعني ذلك تبعية تتزايد باستمرار بطول المدة ، تجاه السلطة المركزية . وفيما يخص الفئة الثانية ، أي أراضي الصوافي ، كان لتدخل الدولة تأثير أقل شدة على الأقل في بداية الأمر . فقد شملها المقاتلة عن طيب خاطر بمبدأ عدم التقسيم « 4 » لكن ما كان مفروغا منه هو ملكيتهم لهذه الأراضي بصورة جماعية لا يشاركهم فيها أحد . فانطبقت كلمة فيء سريعا جدا على الصوافي بصفة خاصة عند سيف بن عمر الذي ميز فضلا عن ذلك بين أهل العطاء وأهل الفيء « 5 » . وبما إن هذه الأراضي كانت بالماضي ملكا للمقاتلين

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 42 : روى سيف أن المال وزع في محرم 17 ه . بالمدائن وتمّ توزيع أولي في بهرسير سنة 16 ه . ( 2 ) استثني من ذلك أهل مكة ، والبدو أيضا ، الذين لم يشاركوا في الفتوحات : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 444 . ( 3 ) وعلى هذا توجد صلة مؤكدة بين الجهاد والعطاء . راجع الطبري ، ج 3 ، ص 614 ، بخصوص أعطيات الروادف ، التي لم توزع قبل سنة 20 / 640 . المهم الملاحظة أن القرّاء شكلوا فئة قائمة بذاتها ، وقد طلب سعد ، بدون نجاح ، أن يجري عليهم العطاء بصفتهم تلك بالتساوي مع أهل القادسية وأهل الشام ( 2000 درهم ) : فتوح البلدان ، ص 442 . ( 4 ) تلافيا للتشتت : الطبري ، ج 4 ، ص 32 . ( 5 ) الطبري ، ج 3 ، ص 615 - 616 . وهكذا ازدوج معنى كلمة فيء ، فهي تعني :